الشيخ محمد رشيد رضا
162
الوحي المحمدي
الكسبية وعلى خلاف السنن المعروفة للناس - قد يظهر فيها أنها كلها أو جلها حدث على سنة اللّه في عالم الأرواح كما كان خلقه كذلك ، فقد حملت أمه به بنفخة من روح اللّه عزّ وجلّ فيها ( وهو الملك جبريل عليه السلام ) كانت سبب علوقها به بفعلها في الرحم ما يفعل مسيح الرجل بقدرة اللّه عزّ وجلّ ، فلا غرو إن كانت مظاهر آياته أعظم من مظاهر سائر الروحانيين من الأنبياء والأولياء كالكشف وشفاء بعض المرضى وغير ذلك من التأثير في المادة الذي اشتهر عن كثير منهم ، والفرق بينه وبين الروحانيين من صوفية الهنود والمسلمين أن روحانيته عليه السلام أقوى وأكمل ، وأقدس وأفضل ، وإنها لم تكن بعمل كسبى منه . بل من أصل خلق اللّه عزّ وجلّ إياه بآية منه كما قال اللّه تعالى : وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 91 ] ، وقال : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [ المؤمنون : 50 ] ، فآيتهما هي الحمل به وخلقه بنفخ الروح الإلهى . لا بسبب التلقيح البشرى ، ولا بما قيل من احتمال وجود مادتى الذكورة والأنوثة في رحمها كوجودها في بعض الأحياء الدنيا . وأعظم آياته الروحانية التي أثبتها له التنزيل ولم ينقلها مؤلفو الأناجيل الأربعة وروى أنها منصوصة في إنجيل الطفولة الذي نبذته المجامع الكنسية قبل البعثة المحمدية ففقد من العالم ) هي أنه كان يأخذ قطعة من الطين فيجعلها بهيئة طير فينفخ فيه ( أي من روحه ) فيكون طيرا بإذن اللّه تعالى ومشيئته ، والمروى أنه كان يطير قليلا ويقع ميتا ، ودون هذا إحياء الميت الصحيح الجسم القريب العهد بالحياة فإن توجيه سيال روحه القوى إلى جثة الميت مع توجيه قلبه إلى اللّه عزّ وجلّ ودعائه كاد يكون سببا روحانيا لإعادة روحه إليه بإذن اللّه ومشيئته ، كما يمس النور ذبال السراج المنطفئ فتشتعل ، أو كما يتصل السلك الحامل للكهربائية الإيجابية بالسلك الحامل للكهربائية السلبية بعد انقطاعها فيتألق النور منهما ، وما ينقل عن صوفية الهنود إعادة الحياة إلى ميت مؤقتا فهو إن صحّ مكسوب بالرياضة ، وقد ثبت عن بعض أطباء هذا العصر إعادة الحياة الحيوانية إلى فاقدها عقب فقدها بعملية جراحية أو بمعالجة للقلب . ومن دون هذا وذاك شفاء بعض الأمراض ولا سيما العصبية سواء أكان سببها مس الشيطان وتلبسه بالمجنون كما في الأناجيل أم غيره ، فإن الشيطان روح خبيث لا يستطيع البقاء مع توجيه الروح الطاهر الذي هو شعلة من روح القدس جبريل عليه السلام واتصاله بمن تلبس به ، وقد وقع مثل هذا لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الروحانيين حتى أن